فأَصمَمتُ عَمْراً وأَعْمَيتُهُ عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يَوْمَ الفَخَار،
فإن قلت: كيف طريقته عند علماء البيان؟ قلت: طريقة قولهم:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فأصممت عمرًا) البيت. أي: وجدته أصم، "وأعميته"، أي: وجدته أعمى.
قوله: (كيف طريقته) قيل: أي: هو حقيقة أم مجاز؟ ثم إن كان مجازًا، أهو من باب التمثيل أو الاستعارة؟ وليس بذاك، بل توجيه السؤال أن يقال: ذكرت أن قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) [البقرة: ١٨] ليست على ظواهرها؛ لأن حواسهم كانت سليمة، وأنها محمولة على تلك المعاني، فمن أي أسلوب هو في البيان؟ فأجاب: إنه من باب التشبيه، ثم أورد عليه أن مبنى التشبيه أن يذكر طرفاه، وهو المشبه والمشبه به، فهل يسمى استعارة أم لا؟ فأجاب بأنه لا يسمى استعارة؛ لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون، ثم منع هذا التعليل بقوله: "طوى ذكرهم عن الجملة بحذف المبتدأ" وتقريره: أنه ثبت في البيان أن شرط الاستعارة أن يكون المشبه المتروك مطويًا في جملة وقعت الاستعارة فيها، فلو ذكر في غيرها من الجمل لا يضرها، ألا ترى إلى قوله:
قامت تظللني من الشمس نفس أعز علي من نفسي
قامت تظللني ومن عجب شمس تظللني من الشمس
فإن قوله: "شمس تظللني" عد استعارة، وإن علم من السابق أنه تشبيه، كذا ها هنا هذه الجملة معراة عن ذكر المشبه، وإن علم مما سبق ذكرهم، فانسلق إلى أنه استعارة، وإليه الإشارة بقوله: "طوى ذكرهم عن الجملة". وأجاب أن المطوي في حكم المنطوق؛ لأن الكلام لا يتم إلا به، بخلافه في البيت، فإن تلك الجملة مستقلة.


الصفحة التالية
Icon