لأنه لما قيل: (أن لهم جناتٍ)؛ لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا، أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس؟ فقيل إنّ ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا، أى أجناسها أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا اللَّه. فان قلت: ما موقع مِنْ ثَمَرَةٍ؟ قلت: هو كقولك: كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئا حمدتك. فموقع (مِنْ ثَمَرَةٍ) موقع قولك من الرمان، كأنه قيل: كلما رزقوا من الجنات من أى ثمرة كانت من تفاحها أو رمّانها أو عنبها أو غير ذلك رزقا قالوا ذلك. فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لأنّ الرزق قد ابتدئ من الجنات، والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة. وتنزيله تنزيل أن تقول: رزقني فلان، فيقال لك: من أين؟ فتقول: من بستانه، فيقال: من أى ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول: من الرمّان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قيل: (أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ)) قوله: "أن" يروى بالفتح على الحكاية وهو الوجه.
قوله: (فـ"من" الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية) وعلى ما قدره متعلقتان بـ"رزقوا". وقال القاضي: وكلتاهما واقعتان موقع الحال، وكلما نصب على الظرف، "ورزقا" مفعول به، وصاحب الحال الأولى "رزقا"، والثانية ضمير الرزق المستكن فى الحال. والمعنى كل حين رزقوا مرزوقاً مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة، قيد الرزق بكونه مبتدأ من الجنات، وابتداؤه منها بابتدائه من ثمرة فيها.
قوله: (وتنزيله) التنزيل: حط الكلام درجة درجةّ، فكأن أصله كان شيئاً آخر فنزلت إلى هذه المرتبة. قال في "النهاية": نزلت عن الأمر: إذا تركته، كأنك كنت مستعلياً عليه، وفي الحديث: أن أبا بكر رضي الله عنه "أنزله أبا" أي: جعل الجد في منزلة الأب وأعطاه نصيبه من الميراث.


الصفحة التالية
Icon