في "صحيح" مسلم عن إبراهيم عن الأسود قال: دخل شباب من قريش على عائشة رضى اللَّه عنها وهي بمنى وهم يضحكون. فقالت: ما يضحككم؟ قالوا: فلان خرّ على طنب فسطاط فكادت عنقه - أو عينه- أن تذهب. فقالت: لا تضحكوا؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإنصاف: لو تأمل كلامه لوجد جواب اعتراضه فيه؛ لأنه قال: أُجيبوا بأن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً من الأمثال ما شاء؛ فما البعوضة فما فوقها؟ وذلك أن المسلوب عن الله أن يضرب مثلاً وهو نكرةٌ في سياق النفي، فيعم كل مثلٍ على اختلاف أنواعه عن الله، فما البعوضة، أي: الكل في الجواز سواء، فما البعوضة فما دونها في الحقارة؟ إذ المبالغة في تقليله لا يخرج عن كونه مثلاً، والكل جائزٌ، ولا يلزم من الاستفهام بـ"ما" أن يكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وقد يكون للإنكار على من سمع قاعدةً قد تقررت فسأل شيئاً من جزئياتها وقال: لِمَ جاز هذا مع وضوح الدليل على جواز الكل؟ وأُشير إلى أن الجميع علةٌ واحدة، وليس بعجيبٍ ما وهم فيه من ضيق مجال هذا البحث.
وقلت: كلام صاحب "الإنصاف" يُشعر بأن وقله تعالى: (مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) من باب التذييل، وأنه يؤكد معنى العموم في قوله: (أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا) وتكرير (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) للاستيعاب والشمول كقوله تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: ٦٢] سواءٌ اعتبرت الصغر أو الكبر أفاد الاستيعاب.
والذي يُفهم من كلام المصنف: أن الوجه الأول من باب الترقي كقوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى)، والثاني من باب الأولوية كقوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء: ٢٣]، وإلى الأول الإشارة بقوله: "تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به"، وإلى الثاني بقوله: "كأنك قلت: فضلاً عن الدرهم والدرهمين".