وقيل: قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق، في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض. فإن قلت: ما الأمر؟ قلت: طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه، وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور؛ لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له: أمر؛ تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به، كما قيل له شأن. والشأن: الطلب والقصد. يقال: شأنت شأنه، أي قصدت قصده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: أما ذمهم بقطع ما أمر الله به أن يوصف فذمٌ برفض الخيرات وتعاطي السيئات، وذلك أن التقاطع يحصل من رفض المحبة والعدالة، ورفضهما سبب كل فساد، فإن القوم إذا أحبوا وعدلوا تواصلوا، وإذا تواصلوا تعاونوا، وإذا تعاونوا عمروا، وإذا عمروا أمروا. وبالعكس: إذا تباغضوا وظلموا تدابروا وتخاذلوا، وإذا تخاذلوا لم يعمل بعضهم لبعضٍ فهلكوا. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "لا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله". ولذلك حثنا على الاجتماعات في الجمعات والجماعات؛ لكون ذلك سبباً إلى الألفة، بل لذلك عظَّم الله تعالى المنة على المؤمنين بقوله: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) [الأنفال: ٦٣].
قوله: (واحد الأمور) أي: القصد والشأن، لأن الأمر المصطلح عليه جمعه: الأوامر.
قوله: (لأن الداعي الذي يدعو إليه) والضمير في "إليه" راجعٌ إلى الأمر بمعنى الشأن، وكذا المنصوب في "يتولاه"، لا إلى الفعل كما ظُنَّ؛ لأن التشبيه واقعٌ بين الأمر الذي هو بمعنى الشأن وبين الأمر الذي هو طلب الفعل، و"من يتولاه" مفعول يدعو، أي: شبه الداعي الذي


الصفحة التالية
Icon