ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان، وهو الإنكار والتعجب. ونظيره قولك: أتطير بغير جناح، وكيف تطير بغير جناح؟ فإن قلت: قولك: أتطير بغير جناح إنكار للطيران، لأنه مستحيل بغير جناح، وأما الكفر فغير مستحيل مع ما ذكر من الإماتة والإحياء. قلت: قد أخرج في صورة المستحيل لما قوى من الصارف عن الكفر والداعي إلى الإيمان. فإن قلت: فقد تبين أمر الهمزة وأنها لإنكار الفعل والإيذان باستحالته في نفسه، أو لقوة الصارف عنه، فما تقول في (كيف)؛.......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سؤال عن الحال، فإذا قيل: كيف زيد؟ كأنه قيل: أصحيح أم سقيم؟ مشغول أم فارغ؟ لأنه إنما يجاب بمثل ذلك، فإذن "كيف" ها هنا متضمن للهمزة، ثم معنى الهمزة فيه الإنكار والتعجب؛ لأنه متفرع على قوله: أتكفرون كما سنبينه، والهمزة فيه للإنكار والتعجب فكذا في كيف. ونقل عن المصنف أنه قال في الفرق بين الهمزة و"كيف": إن "كيف" سؤال تفويض لإطلاقه، وكأن الله تعالى فوض الأمر إليهم في أن يجيبوا بأي شيء أجابوا، ولا كذلك الهمزة، فإنه سؤال حصر وتوقيت، فإنك تقول: أجاءك راكباً أم ماشياً؟ فتوقت وتحصر. ومعنى الإطلاق ما قاله صاحب "المفتاح": "كيف" سؤال عن الحال وهو ينتظم الأحوال كلها، والكفار حين صدور الكفر عنهم لابد من أن يكونوا على إحدى الحالتين: إما عالمين بالله وإما جاهلين به، فإذا قيل: كيف تكفرون بالله؟ أفاد: في حال العلم تكفرون بالله أم في حال الجهل؟ هذا هو معنى التفويض في الآية.
قوله: (لما قوي من الصارف عن الكفر) والصارف هو العلم بكونه تعالى محييهم ثم مميتهم، ثم المرجع والمصير إليه لإيقاع قوله: (وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ) الآية قيداً لقوله: (تَكْفُرُونَ).
قوله: (فما تقول في (كَيْفَ)) يعني: هلا أنكر عليهم ذات الكفر وذات الطيران وهما المنكران لا حالهما، و"كيف" للحال؟ وحاصل الجواب: أن إنكار الذات مستتبع لإنكار الحال،


الصفحة التالية
Icon