ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبينه - يعني عيسىـ نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون"، أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي، عن أبي هريرة.
وكان من ضربان الدهر وحدثان الزمان، وقدر الله الغالب، أن توغل شقيق لي في بعض بلاد الإفرنجة تسمى ببندقة قلما يصل إليها المسلمون، واتفق له بحث مع بعض القسيسين فقال: هذه الآية موافقة لما نحن عليه ونعتقده، ولكن قوله: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) مناقضة لها ومخالفة لما نقول به. وقلت: لا مناقضة بينهما، لأن مساق هذه الآية غير مساق تلك، وذلك أن قوله: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ) كما قال المصنف: ظرف لـ (خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) أو لـ (وَمَكَرَ اللَّهُ)، وقد عقب به قوله: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)، فكان المقام مظنة لاهتمام شأن النصرة والوعد بالاعتصام من مكايد الأعداء، فقيل: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي: عاصمك ممن يريد المكيدة بك، بخلافه في تلك الآية، فإنها واردة لرد زعم اليهود ودعواهم الكاذبة: (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) [النساء: ١٥٧] فوجب أن يقال: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) ويؤتى بحرف الإضراب في قوله: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ).
فإن قلت: فلم عدل من "عاصمك" إلى (مُتَوَفِّيكَ)؟
قلت: ليؤذن بعصمة خارقة للعادة خارجة مما عليه المتعارف، فإن روح الله لما خاف معرة الأعداء وقتلهم إياه قيل له: لا تخف، فإنهم لن يقتلوك أبداً ولن يصلوا إلى متمناهم؛