(إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ٥٩]
(إِنَّ مَثَلَ عِيسى عند الله): إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم. وقوله: (خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم عليهما السلام، أي: خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم، وكذلك حال عيسى. فإن قلت: كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب، ووجد آدم من غير أب وأم؟ قلت: هو مثيله في أحد الطرفين، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به؛ لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف؛ ولأنه شبه به في أنه وجد وجودًا خارجًا عن العادة المستمرة، وهما في ذلك نظيران؛ ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حكمة، ثم خيل القرآن نفس الشخص، ثم أطلق القرآن على المتخيل ورمز بقوله: (الْحَكِيمِ) ـ وهو من روادف المشبه بهـ أن القرآن مكان الاستعارة، يكون استعارة مكنية، ولا تظنن أن قوله: "كأنه ينطق بالحكمة"، مشعر بأن التركيب تشبيه لذكر الطرفين، وهو القرآن المشبه، والحكيم المشبه به، فإن التحقيق ما ذكرت لك، وتبين لك من هذا أن الفاعل في الإسناد المجازي يمكن أن يكون مشبهاً على سبيل المكنية، وأن قول صاحب "المفتاح": الذي عندي هو نظم هذا النوع، أي: الإسناد المجازي، في سلك الاستعارة بالكناية، ليس من مخترعاته، بل هو قد قيل، وذهب إليه، وأن راميه خابط في الظلمات.
قوله: (جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم عليهما السلام)، "ما" موصولة، صلتها: "شبه"، والظرف معموله، والضمير فيه راجع إلى الموصولة، أي: مفسرة للذي شبه عيسى بآدم لأجله، الجملة بيان لما يدل على وجه التشبيه بأخذ الزبدة والخلاصة التي يعطيها التركيب، وهي كونه وجد