ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من غير أب وأم، يعني: ما خلقت آدم إلا من تراب صرف، وليس شأنه شأن أولاده حيث خلقوا من أب وأم، وعلى هذا توجه السؤال المذكور وتوجيهه: كيف شبه عيسى بآدم عليهما السلام، وهو ليس نظيره فيما شبه به؟ وأجاب: لا نسلم أنه ليس مثله، إذ ليس بواجب في التشبيه أن يحصل الشبه من كل الوجوه، بل ربما يكفي مجرد وصف يشتركان فيه، لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ثم ترقى في الجواب وقال: "ولأنه شبه به"، يعني: لا نسلم أن الوجه ليس شاملاً للطرفين، فإن الوجه وهو كونهما وجدا خارجين عن العادة المستمرة شامل للطرفين، إذ الغرض من إيراد التشبيه بيان حال المشبه، وإليه الإشارة بقوله: "وهما في ذلك نظيران"، ثم ترك هذه المرتبة إلى أعلى منها، بأن قال: "ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب"، أي: الغرض من إيراد التشبيه إلحاق الناقص بالكامل، فالواجب أن يكون المشبه به أقوى في وجه الشبه، وها هنا كذلك. هذا كله على أن يكون التشبيه عقلياً. ويمكن أن يكون تمثيلياً بأن ينتزع الوجه من عدة أمور متوهمة، فإن قوله تعالى: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) مشتمل على بدء الإنشاء وانتهائه، على أن القصد في إيراد الكلام أنه كيف يتصور في عيسى دعوى الإلهية؟ فإنه مثل آدم في كونه مخلوقاً من تراب، لقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) [فاطر: ١١] أي: من أحقر الأشياء وأوضعها، وفي كونه منقاداً لحكمه داخلاً تحت كلمة التسخير، وهي: كن، كسائر المكونات.
والآيات من أول السورة كما ذكرنا مسوقة للاحتجاج على النصارى، وعلى أسلوبه قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) [البقرة: ١١٦] على إرادة استعمال "ما" في "أولي العلم"، ممن عبد دون الله من الملائكة والمسيح وعزير، تحقيراً، ويؤيد هذا الوجه قول الزجاج: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ليس بمتصل بآدم إنما هو تبيين قصته، فإذا قلت: مثلك مثل زيد، أردت أنك تشبهه في فعله ثم تخبر بقصة زيد، فعل كذا وكذا، لأن اعتبار القصة والحالة في التشبيه أكثر ما يكون في قسم التمثيل منه.