ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق. وقدمهم في الذكر على الأنفس؛ لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم؛ وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام، وفيه برهان واضح على صحة نبوة محمد صلى اللَّه عليه وسلم؛ لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.
(إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) ٦٢ ـ ٦٣]
(إِنَّ هذا) الذي قص عليك من نبأ عيسى (لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)، قرئ بتحريك الهاء على الأصل، وبالسكون؛ لأن اللام تنزل من "هو" منزلة بعضه؛ فخفف كما خفف عضد، و "هو" إما فصل بين اسم (إن) وخبرها، وإما مبتدأ و (القصص الحق) خبره، والجملة خبر (إن)، فإن قلت: لم جاز دخول اللام على الفصل؟ قلت: إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ منه وأصلها أن تدخل على المبتدأ. و (من) في قوله: (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) بمنزلة البناء على الفتح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حماة الحقائق) جمع حقيقة، وهي ما يحق على الرجل أن يحميه.
قوله: (قرئ بتحريك الهاء) أي: "لهو". بالسكون: قالون وأبو عمرو والكسائي، والباقون: بالتحريك.
قوله: (و (مِنْ) في قوله: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ) بمنزلة البناء على الفتح)، فإن قلت: فعلى هذا الفتح هو الأصل، وقد قال ابن الحاجب: وإنما بني المفرد معه لما تضمنه من معنى الحرف؛ لأن معناه: ما من رجل. وأجيب: أن هذا إحدى علتين في بناء اسم "لا"، ذكرهما صاحب "الإقليد"، إحداهما: هذه التي ذكرها ابن الحاجب. والثانية: أن "لا" معناها النفي،


الصفحة التالية
Icon