والثالث: أن يراد ميثاق أولاد النبيين؛ وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف. والرابع: أن يراد أهل الكتاب، وأن يرد على زعمهم؛ تهكما بهم، لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد؛ لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون. وتدل عليه قراءة أبيّ وابن مسعود: (وإذ أخذ اللَّه ميثاق الذين أوتوا الكتاب)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غليظاً، ثم جعل ميثاقهم نفس ميثاقهم بحذف أداة التشبيه مبالغة، وعليه قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ)، ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى التعليل لأدنى ملابسة، كأنه قيل: وإذ أخذ الله الميثاق على الناس لأجل النبيين، ثم جيء بقوله: (لَمَا آتَيْتُكُمْ) إلى آخره بياناً لذلك.
الراغب: الصحيح أن العهد مأخوذ من الفريقين من الرسل والمرسل إليهم، وخص الأنبياء بالذكر لكونهم الرؤوس والأمة تبع لهم، ولذلك خص النبي ﷺ في كثير من المخاطبة التي تشاركه فيها أمته، نحو: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ) [الطلاق: ١]، ولأنه إذا أخذ الميثاق على الأنبياء فقد أخذ على أممهم لمشاركتهم أنبياءهم في عامة ما شرع لهم.
قوله: (وأن يرد على زعمهم تهكماً بهم)، وبيانه: أنه تعالى عهد إليهم أنه مهما جاءهم رسول مصدق لما معهم يؤمنوا به وينصروه، وهم ما وفوا بذلك العهد ونقضوا الميثاق، بل عكسوا، كما قال تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) [البقرة: ٨٧]، ولما جاءهم رسول الله ﷺ كذبوه وقالوا: نحن أحق بالنبوة منه، فقيل فيهم تعييراً وتهكماً: وإذ أخذ الله ميثاق هؤلاء النبيين الزاعمين أنهم أحق بالنبوة، وكذا وكذا، وهذا كمن ائتمنته على شيء وهو خائن به، ثم ادعى بعد ذلك أنه أمين، فقلت له: يا أمين، اذكر حين استودعتك ذلك الشيء وعهدت إليك بحفظه.


الصفحة التالية
Icon