فإن قلت: قد علم أنّ المرتد كيفما ازداد كفرا فإنه مقبول التوبة إذا تاب، فما معنى (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ)؟ قلت: جعلت عبارة عن الموت على الكفر؛ لأنّ الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر، كأنه قيل: إن اليهود أو المرتدين الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر، داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم. فإن قلت: فلم قيل في إحدى الآيتين (لَنْ تُقْبَلَ) بغير فاء، وفي الأخرى: (فَلَنْ يُقْبَلَ)؟ قلت: قد أوذن بالفاء أنّ الكلام بني على الشرط والجزاء. وأن سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر. وبترك الفاء أن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب، كما تقول: الذي جاءني له درهم، لم تجعل المجيء سببا في استحقاق الدرهم، بخلاف قولك: فله درهم. فإن قلت: فحين كان المعنى (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) بمعنى الموت على الكفر؛ فهلا جعل الموت على الكفر مسببا عن ارتدادهم وازديادهم الكفر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فهلا جعل الموت على الكفر مسبباً عن ارتدادهم؟ ) وحاصل السؤال: أن الآيتين سواء في صحة إدخال الفاء لتصور المسببية وأجاب بالفرق، وذلك أن المرتد قد يرجى منه الرجوع إلى الإيمان، فلا يترتب عليه عدم قبول التوبة، بخلاف المائت على الكفر، فإن عدم قبول الفدية مترتب على الموت حالة الكفر لا محالة، والحاصل: منع السببية في الأولى لجواز تخلف الثاني عن الأول، وتقريره: أن التي عريت عن الفاء واردة على الكناية، وجعل الموصولة مع صلتها ذريعة إلى تحقيق الخبر، كقوله:
| إن التي ضربت بيتاً مهاجرة | بكوفة الجند غالت ودها غول |