لما في ذلك من قساوة القلوب وركوب الرين وجرّه إلى الموت على الكفر؟ قلت: لأنه كم من مرتد مزداد للكفر يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر! فإن قلت: فأي فائدة في هذه الكناية؟ أعني أن كني عن الموت على الكفر بامتناع قبول التوبة؟ قلت: الفائدة فيها جليلة؛ وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار، وإبراز حالهم في صورة حالة الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدّها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (التغليظ في شأن أولئك الفريق) يعني: وضع قوله: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) موضع "مائتون على الكفر داخلون في زمرة الكافرين"، ليكون أردع وأخوف، فإن قلت: في قوله: "الفائدة فيها جليلة وهي التغليظ"، تعسف، إذ من الجائز حمله على التغليظ ابتداء كما في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ) [آل عمران: ٩٧] بمعنى: ومن لم يحج.
قلت: إذاً تفوت فائدة التصوير التي تعطيه الكناية، على أن الكناية لابد منها؛ لأن التركيب من باب تحقيق الخبر كما سبق، ولأن قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) تكرير من حيث المعنى لما سبق ليناط به حكم آخر، وهو قوله: (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً).
قوله: (وإبراز حالهم في صورة الآيسين) بيان لفائدة الكناية، وذلك أنا لكناية أبلغ من التصريح لما فيها من تصوير حال المكنى عنه وتخييل معناه، فإنك إذا قلت: فلان جواد، لم يكن كما إذا قلت: كثير الرماد، لأن في تصوير صفة الجود بكثرة الرماد وكثرة إحراق الحطب وكثرة الطبائخ وكثرة تردد الضيفان زيادة روعة للجود وتفخيماً له.
كذلك في إبراز حال هؤلاء في صورة الآيسين من الرحمة استحضاراً لحالهم وهم في صورة المائلين بين يدي الجبار، وقد تجلى بصفة القهارية ناكسي رؤوسهم قائلين: ربنا أسرفنا في أمرنا فاغفر لنا ذنوبنا، مردودين بـ (اخْسَئُوا)، فإن توبتكم غير مقبولة، وأعذاركم غير مسموعة، فتجد عند ذلك في نفسك ما لا تجد لو قيل: مائتون على الكفر.