ومنها ذكر الاستغناء عنه، وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان. ومنها قوله: (عَنِ الْعالَمِينَ) وإن لم يقل عنه، وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة؛ ولأنه يدل على الاستغناء الكامل، فكان أدلّ على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه. وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود؛ فإنهم قالوا: الحج إلى مكة غير واجب. وروي أنه لما نزل قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) جمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم، فقال، إن اللَّه كتب عليكم الحج فحجوا» فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون، وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلى إليه ولا نحجه، فنزل (وَمَنْ كَفَرَ)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأن لم يقل: عنه) "أن": هي المخففة من الثقيلة، وهو عطف على قوله: "قوله: (عَنْ الْعَالَمِينَ) " على التأكيد، أي: قال: كذا ولم يقل: كذا، وقوله: "وما فيه من الدلالة": عطف عليه أيضاً، لكن على التفسير والبيان، نحو: أعجبني زيد وكرمه.
وتلخيصه: أنه تعالى وضع المظهر موضع المضمر وأتى به عاماً وخص بالذكر (الْعَالَمِينَ) ليتناول العام هذا المتمرد الخاص على سبيل الكناية الإيمائية، وهو المراد من قوله: "من الدلالة على الاستغناء ببرهان"، ويدل التخصيص بالذكر على الاستغناء الكامل، وهو على عظم السخط، على الكناية التلويحية، وإليه الإشارة بقوله: "يدل على الاستغناء الكامل، فكان أدل على عظم السخط"، فقوله: "ولأنه يدل على الاستغناء" عطف على قوله: "لأنه إذا استغنى".
قوله: (خمس ملل) وهم الذين ذكرهم الله تعالى في: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) [الحج: ١٧].


الصفحة التالية
Icon