وكان الظفر فيه للأوس. ففعل فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا، وقالوا: السلاح السلاح! فبلغ النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار، فقال: أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم اللَّه بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم؟ "،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكان من خبره ما رواه ابن الأثير في "الكامل"، أن قريظة والنضير، جددوا العهود مع الأوس على المؤازرة والتناصر، واستحكم أمرهم، فلما سمعت بذلك الخزرج جمعت واحتشدت وراسلت حلفاءها من أشجع وجهينة وراسلت الأوس حلفاءها من مزينة، والتقوا ببعاث، وهي من أموال قريظة، وعلى الأوس حضير والد أسيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان، فلما التقوا اقتتلوا قتالاً شديداً وصبروا جميعاً، ثم إن الأوس وجدت مس السلاح، فولوا منهزمين، فلما رأى حضير ذلك نزل وطعن قدمه وصاح: واعقراه! والله لا أعود حتى أقتتل، فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا، فعطفوا عليه، وأصاب عمرو بن النعمان البياضي رئيس الخزرج سهم فقتله، وانهزمت الخزرج، فوضعت فيهم الأوس السلاح، فصاح صائح: يا معشر الأوس، أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم، فجوارهم خير من جوار الثعالب، فانتهوا عنهم، وكان يوم بعاث آخر الحروب المشهورة بين الأوس والخزرج، ثم جاء الإسلام واتفقت الكلمة واجتمعوا على نصر الإسلام وأهله.
قوله: (أتدعون الجاهلية؟ )، النهاية: في الحديث: "ما بال دعوى الجاهلية؟ " وهو قولهم: يا لفلان! كانوا يدعون بعضهم بعضاً عند الأمر الحادث الشديد، وفي حديث زيد بن أرقم: فقال قوم: يا للأنصار!، وقال قوم: يا للمهاجرين!، فقال صلى الله عليه وسلم: "دعوها؛ فإنها منتنة".


الصفحة التالية
Icon