فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوّهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فما كان يوم أقبح أوّلا وأحسن آخراً من ذلك اليوم.
(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) ١٠١].
(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ): معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجيب. والمعنى: من أين يتطرق إليكم الكفر، والحال أن آيات اللَّه وهي القرآن المعجز (تُتْلى عَلَيْكُمْ) على لسان الرسول ﷺ غضة طرية، وبين أظهركم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم! (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ) ومن يتمسك بدينه. ويجوز أن يكون حثا لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم (فَقَدْ هُدِيَ) فقد حصل له الهدى لا محالة...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون حثاً لهم على الالتجاء إليه): عطف على قوله: "ومن يتمسك بدينه"، يعني: إما أن يقدر ها هنا مضاف بأن يقال: ومن يعتصم بدين الله، أي: يتمسك به، على الاستعارة، أو لا يقدر، فيجعل الاعتصام بالله استعارة للالتجاء إلى الله تعالى، وعلى الأول: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ): معطوف على (وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ) أي: كيف تكفرون والحال أن القرآن يتلى عليكم وأنتم عالمون بأن من تمسك بدين الله فقد هدي! وعلى الثاني تذييل لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ)؛ لأن مضمونه: أنكم إنما تطيعونهم لما تخافون شرورهم ومكايدهم، فلا تخافوهم والتجئوا إلى الله في دفع شرورهم فلا تطيعوهم، أما علمتم أن من التجأ إلى الله تعالى كفاه شر ما يخافه! وهو المراد بقوله: "حثاً لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكائدهم"، فعلى الأول (وَمَنْ يَعْتَصِمْ) جيء لإنكار الكفر مع هذا الصارف القوي، كقوله: (وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ)، وعلى الثاني: للحث على الالتجاء، ويحتمل على الأول التذييل، وعلى الثاني الحال أيضاً.
قوله: (فقد حصل له الهدى لا محالة)، وذلك لمجيء فعل الماضي مع "قد"، قال الجوهري:


الصفحة التالية
Icon