ويزول معه الاجتماع والألفة التي أنتم عليها، مما يأباه جامعكم والمؤلف بينكم، وهو اتباع الحق والتمسك بالإسلام. كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة، فألف اللَّه بين قلوبهم بالإسلام. وقذف فيها المحبة فتحابوا وتوافقوا وصاروا إِخْواناً متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد، قد نظم بينهم، وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في اللَّه: وقيل: هم الأوس والخزرج، كانا أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة، وتطاولت الحروب مئة وعشرين سنة إلى أن أطفأ اللَّه ذلك بالإسلام وألف بينهم برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ): وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر. (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها): بالإسلام. والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة، ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعتبر في الوجهين ذلك المعنى.
قوله: (مما يأباه جامعكم): بيان ما يكون، وقوله: "وهو إتباع الحق"، تفسير للجامع والمؤلف.
قوله: (مشفين)، النهاية: لا يكاد يقال: أشفى إلا في الشر، ومنه حديث سعد: مرضت مرضاً أشفيت على الموت، أي: أشرفت عليه، الجوهري: شفا كل شيء: حرفه.
قوله: (والضمير للحفرة)، الانتصاف: هو كقولك: أكرمت غلام هند، وأحسنت إليها، فالمنة من الإنقاذ منها أتم، والكون على الشفا يستلزم الهوي غالباً، فمن عليهم بإنقاذهم من الحفرة التي هي موقع الهوي، أي: كنتم صائرين إليها لولا الإنقاذ الإلهي، وأبو علي رأى في "التعاليق" تأنيث المذكر بإضافة المؤنث من الضرورات، ورأيت في "الإيضاح" بخلافه.


الصفحة التالية
Icon