فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه، وابيضت صحيفته وأشرقت، وسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده، واسودّت صحيفته وأظلمت، وأحاطت به الظلمة من كل جانب. نعوذ باللَّه وبسعة رحمته من ظلمات الباطل وأهله.
(أَكَفَرْتُمْ): فيقال لهم: أكفرتم، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم. والظاهر أنهم أهل الكتاب. وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعد اعترافهم به قبل مجيئه.
وعن عطاء: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسودّ وجوه بني قريظة والنضير. وقيل هم المرتدون. وقيل: أهل البدع والأهواء، وعن أبى أمامة: هم الخوارج، ولما رآهم على درج دمشق دمعت عيناه ثم قال: كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء. فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك، أم شيء سمعته من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. قال: بل سمعته من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم غير مرة.
قال: فما شأنك دمعت عيناك، قال: رحمة لهم، كانوا من أهل الإسلام فكفروا، ثم قرأ هذه الآية، ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضكم منهم كثيراً. فأعاذك اللَّه منهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والظاهر أنهم أهل الكتاب) يعني: قوله: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) مطلق، بل مجمل فيمن كفر بعد الإيمان يحتمل المرتد وأهل الكتاب وجميع الكفار كما ذكر، لكن قرائن السياق قامت على ترجيح الثاني، وذلك قوله في الآيات السابقة: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ)، ثم قوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، وانتصاب (يَوْمَ تَبْيَضُّ) من (لَهُمْ)، ثم قوله بعد الفراغ من حديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ).
قوله: (وعن أبي أمامة). الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة، عن أبي غالب.


الصفحة التالية
Icon