وفيه تثبيت لمن أسلم منهم؛ لأنهم كانوا يؤذنونهم بالتلهي بهم، وتوبيخهم وتضليلهم، وتهديدهم بأنهم لا يقدرون أن يتجاوزوا الأذى بالقول إلى ضرر يبالى به مع أنه وعدهم الغلبة عليهم والانتقام منهم وأنّ عاقبة أمرهم الخذلان والذل.
فإن قلت: هلا جزم المعطوف في قوله: (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ)! قلت: عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء، كأنه قيل: ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت: فأي فرق بين رفعه وجزمه في المعنى؟ قلت:
لو جزم لكان نفى النصر مقيداً بمقاتلتهم، كتولية الأدبار، وحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا، كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها، وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوّة، لا ينهضون بعدها بجناح، ولا يستقيم لهم أمر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وتوبيخهم وتضليلهم) في نسخة المعزي: "وتوبيخهم"، بالرفع: عطف على: "وفيه تثبيت"، وفي نسخة الصمصام بالجر: عطف على "التلهي"، والضمير في "توبيخهم وتضليلهم وتهديدهم" عائد إلى "من أسلم"، والباء في "بأنهم" متعلق بقوله: "تثبيت"، وعلى تقدير الرفع: الضمير في الثلاثة للكفار، والباء متعلق بقوله: "تهديدهم"، والجر ليس بالوجه، لأنه لا معنى لتعلق "بأنهم" بتهديدهم، إلا أن يقال: إنه متعلق بتثبيت أيضاً، والتضليل: هو النسبة إلى الضلال، والحاصل: أن الآية الأولى سيقت لبيان أن أهل الكتاب فرقتان، منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون، وجيء بقوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) الآية؛ مستطرداً لذكرهم، يعني: أن شأن أهل الكتاب مع المؤمنين قاطبة محاولة الإضرار التي لا طائل تحتها في المآل، وقصد المقاتلة التي الدبرة فيها عليهم. وأدمج فيه إما تثبيت من أسلم منهم وحده إذا روي "توبيخهم" بالجر، وإما توبيخ من تمرد في الفسق مع تثبيت من أسلم إذا روي بالرفع، والإشارة إلى الإدماج بقوله: "فيه".


الصفحة التالية
Icon