وكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر. فإن قلت: فما الذي عطف عليه هذا الخبر؟ قلت: جملة الشرط والجزاء، كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت: فما معنى التراخي في (ثمَّ)؟ قلت: التراخي في المرتبة؛ لأنّ الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار. فإن قلت: ما موقع الجملتين، أعني (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ) و (لَنْ يَضُرُّوكُمْ)؟ قلت: هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل: وعلى ذكر فلان؛ فإنّ من شأنه كيت وكيت، ولذلك جاء من غير عاطف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليهم الأدبار)، الانتصاف: هذا من الترقي: وعدهم بتولية عدوهم الأدبار عند المقاتلة، ثم ترقى فوعد أنهم لا ينصرون مطلقاً، وزيد في الترقي بدخول "ثم" بتراخي الرتبة، كأنه قال: ثم ها هنا ما هو أعلى في الامتنان أنهم لا ينصرون البتة.
قوله: (وعلى ذكر فلان): حال، أي: والحال أن القائل مشتمل كلامه على ذكر شخص، كما إذا كان عمرو في حكاية زيد بأنه يصلح له أن يفعل كذا، ثم سنح له كلام آخر لزيد، فقال: فإن من شأنه كيت وكيت، وكذا أنه عز شأنه أورد ذكر أهل الكتاب وأنهم إن آمنوا كان خيراً لهم، وأن منهم المؤمنين وأكثرهم متمردون، استطرد حكاية حالهم مع المسلمين وطعنهم في دينهم ومقاتلتهم معهم، وذلك لما رأى من التفات خاطر المسلمين.
أما بيان النظم فهو أن قوله: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ) وما يتصل به، إلى قوله: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) عطف على جملة أحوال المؤمنين من قوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) على سبيل التقابل، ألا ترى كيف وصف بعضهم الذين امتازوا منهم وانخرطوا في زمرة المؤمنين بقوله: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ