فإن قلت: لم عدي إلى مفعولين و"شكر" و"كفر" لا يتعديان إلا إلى واحد، تقول شكر النعمة وكفرها؟ قلت: ضمن معنى الحرمان، فكأنه قيل: فلن تحرموه بمعنى: فلن تحرموا جزاءه. وقرئ (يفعلوا)، و (يكفروه)، بالياء والتاء (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) بشارة للمتقين بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى.
(مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [١١٧]
الصرُّ: الريح الباردة، نحو: الصرصر، قال:
لَا تَعْدِلَنَّ أَتَاوِيِّينَ تَضْرِبُهُمْ نَكْبَاءَ صِرً بِأصْحَابِ الْمَحَلَّات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ (يَفْعَلُوا) و (يُكْفَرُوهُ) بالياء والتاء)، بالياء التحتانية: حمزة والكسائي وحفص، والباقون بالتاء.
قوله: (بشارة للمتقين.. ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى) يعني: في إيراد العلم بعد الأعمال المذكورة بشارة؛ لأن الله تعالى إذا علم منهم أحوالهم ومجاهدتهم فيما لا يضيع أجرهم فيوفيهم بأحسن ما عملوا، وفي وضع (الْمُتَّقِينَ) موضع المضمر إشعار بالعلية وإيذان بأنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى.
قوله: (لا تعدلين أتأويين) البيت: لا تعدلن: لا تسوين، والأتاوي: الغريب البعيد الدار، والنكباء: الريح الشديدة، والصر: الريح الباردة، والمحلات: الماعون مثل: الفأس والقدر والدلو وغيرها، يقول: لا تسوين الغرباء الفقراء الذين لا منزل لهم ولا ديار تكنهم من البرد والرياح بأصحاب الديار والمنازل والأثاث، روى الجوهري: "لا يعدلن" بالياء، على ما لم يسم فاعله، و"الأتاويون" بالرفع.