شبه ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناسـ لا يبتغون به وجه اللَّهـ بالزرع الذي حسه البرد فذهب حطاما. وقيل: هو ما كانوا يتقربون به إلى اللَّه مع كفرهم. وقيل: ما أنفقوا في عداوة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فضاع عنهم؛ لأنهم لم يبلغوا بإنفاقه ما أنفقوه لأجله. وشبه بحرث قوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فكان نكرة مجردة من القيود المشخصة المخصصة، ثم جعلت عمراً المعين محلاً له، وشخصت المطلق المجرد بهذا المعين، وهي طريقة صحيحة، إذ المطلق بعض المقيد.
قوله: (الذي حسه) أي: استأصله، النهاية: في الحديث: "حسوهم" أي: استأصلوهم قتلاً، وحس البرد الكلأ: إذا أهلكه واستأصله.
قوله: (وقيل: ما أنفقوا في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم). إنما قدر الوجوه لأن قوله: (مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ) فيه شيوع يحتمل المذكورات.
قوله: (فضاع عنهم؛ لأنهم لم يبلغوا بإنفاقه ما أنفقوه لأجله). "ما أنفقوا": مفعول "لم يبلغوا"، وهو مترتب على الوجهين الأخيرين لا الأول لما كان يحصل لهم من حسن الثناء وجميل الذكر، والوجه هو الأول، وهو أن يكون في المكارم والمفاخر؛ لأن قوله: (فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) تعريض بأن النفقة لم تكن لوجه الله وطلب مرضاته، أي: جعلوا مكان النفقة وظرفها هذه الهناة الحقيرة التي تشاهد، وأبوا أن تكون في مرضاة الله فتكون كحبة (أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ)، ولذلك خاب سعيهم وبطل عملهم (فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً).
قوله: (وشبه بحرث قوم): عطف على قوله: "شبه ما كانوا ينفقون" على طريقة التتميم وإعادة اللفظ لإناطة معنى آخر، يعني: ما اكتفى بتشبيه النفقة بالزرع الذي ذهب حطاماً،