فأهلك عقوبة لهم على معاصيهم؛ لأنّ الإهلاك عن سخط أشدّ وأبلغ [فإن قلت: فلم قال: ظلموا أنفسهم، ولم يقتصر بقوله: أصابت الحرث أو أصابت حرث قوم؟ قلت: لأن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب على الكلية حتى لا يبقى منه شيء، وحرث الكافرين هو الذي يذهب على الكلية لا منفعة لهم فيه، لا في الدنيا ولا في الأخرة، فأما حرث المسلم فلا يذهب على الكلية؛ لأنه وإن كان يذهب صورة إلا أنه لا يذهب معنى؛ لما فيه من حصول الأعواض لهم في الآخرة، والثواب بالصبر على الذهاب]، فإن قلت: الغرض تشبيه ما أنفقوا في قلة جدواه وضياعه بالحرث الذي ضربته الصر، والكلام غير مطابق للغرض؛ حيث جعل ما ينفقون ممثلا بالريح. قلت: هو من التشبيه المركب الذي مر في تفسير قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً) [البقرة: ١٧]،...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بل خص الزرع بأن يكون لقوم ظالمين، ليكون أبلغ في القصد، لأن الإهلاك إذا كان عن سخط كان أشد وأبلغ، ثم إذا أخذ مع التشبيه معنى: (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ليكون تتميماً آخر للمشبه به، على أن يكون (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ) معطوفاً على مقدر هو استئناف كلام، المعنى: بلغ هلاك أهل الحرث واستئصالهم إلى حد إذا شهد الناظر إلى أحوالهم يقول مترفقاً: هؤلاء المرحومون حملوا ما لا يد لهم عليه، فقد ظلموا، فيجاب: بأنه ما حملهم الله ما لا طاقة لهم عليه وما ظلمهم ولكن أنفسهم يظلمون، يبلغ بالتشبيه إلى حد يناطح السماك في المبالغة لما علم في موضعه أن التشبيه كلما كان أكثر تفصيلاً كان أدخل في القبول وأبلغ في الاعتبار، وأما إذا جعل تتميماً للمشبه فلم يكن كذلك، وإلى الوجهين الإشارة بقوله: (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ) الضمير للمنفقين أو لأصحاب الحرث الذين ظلموا أنفسهم.
قوله: (الذي مر في تفسير قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً) [البقرة: ١٧])، وهو أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد، وإنما شبهت قصتهم بقصته، فكذلك ها هنا: لم يشبه النفقة بالريح، وإنما شبهت حالة نفقتهم في قلة جدواها وضياعها بالحرث الذي ضربته الصر وأهلكته.


الصفحة التالية
Icon