استقامة فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ﴿قَامُوا﴾ متحيرين).
قال القرطبي: (والمعنى: تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تَبْهَرهم. ومن جعل ﴿الْبَرْقُ﴾ مثلًا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يُذهب أبصارهم).
وقوله: ﴿كُلَّمَا﴾ منصوب لأنه ظرف. ويجوز أن تكون (كلما) بمعنى إذا، والجواب ﴿مَشَوْا﴾. والمفعول محذوف والتقدير: (كلما أضاء لهم البرق الطريقَ) وهذا وجه، والوجه الآخر: أن تكون أضاء وضاء سواء فلا حاجة لتقدير حذف مفعول. ذكره القرطبي.
وفي قوله ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أكثر من تأويل (١):
التأويل الأول: كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنِسُوا ومشَوا معه، فإدْا نزل من القرآن ما يَعْمَوْنَ فيه ويضلون به أو يكلفونه ﴿قَامُوا﴾ أي ثبتوا على نفاقهم. ذكره ابن عباس.
التأويل الثاني: قيل: المعنى كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت النِّعم قالوا: دين محمد مبارك، وإذا نزلت بهم مصببة وأصابتهم شدة سخِطوا وثبتوا في نفاقهم. ذكره ابن مسعود وقتادة.
التأويل الثالث: كلما تكلموا بكلمة الإخلاص أضاء لهم من نورها، فإذا تحركت قلوبهم بالشك والتكذيب والتردد رجعوا إلى الظلمة، ذكره الربيع بن أنس.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾.
قال ابن عباس: (لما تركوا من الحق بعد معرفته).
وقال الربيع بن أنس: (يعني أسماع المنافقين، وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس).
قال القرطبي: (﴿لَوْ﴾ حرف تمَنٍّ وفيه معنى الجزاء، وجوابه اللام. والمعنى: ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عِزّ الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم. وخصّ السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولًا، أو لأنهما أشرف ما في الإنسان).

(١) بعضها مضى ولكن أعود لتلخيصها.


الصفحة التالية
Icon