وذهب بعض نحوي الكوفة أنه وحّد السمع لأنه عنى به المصدر وقصد به الخَرْق، وجمع الأبصار لأنه عنى به الأعين. في حين ذهب بعض نحوي البصرة إلى أن السمع وإن كان في لفظ واحد فإنه بمعنى جماعة كقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي أطرافهم.
قال ابن جرير: (ولو فعل بالبصر نظير الذي فعل بالسمع، أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار - من الجمع والتوحيد - كان فصيحًا صحيحًا).
قلت: وخلاصة المعنى: (يكاد الوحي النازل يلمع في قلوب المنافقين فيظهر على ألسنتهم، فإذا نزلت التكاليف والشرائع انتكست قلوبهم لشدة أمراضها، وإذا تهددت مصالح معاشهم ودنياهم التي عظموها لاذوا إلى النفاق، ولو شاء الله لكشفهم وفضحهم وأخزاهم بسيوف المؤمنين أو حرمهم أسماعهم وأبصارهم التي استخدموها في نفاقهم).
ثم قال تعالى يختم الآيات:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال ابن جرير: (وإنما وصف الله نفسه جلّ ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير).
وأجمعت الأمة على تسمية الله تعالى بالقدير. ومعنى ﴿قَدِيرٌ﴾ قادر.
وفي صحيح الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي - ﷺ - قال: [خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير] (١).
قال القرطبي: (فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين، أربع آيات في وصف المؤمنين، ثم تليها آيتان في ذكر الكافرين، وبقيتها في المنافقين. وقد تقدمت الرواية فيها عن ابن جريج، وقاله مجاهد أيضًا).