أمواتَ الذكر، خمولًا في أصلاب آبائكم نطفًا، لا تُعرفون ولا تُذكرون، فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَييتم، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك، كما قال: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، لأن الله جل ثناؤه يحييهم في قبورهم قبل حشرهم، ثم يحشرهم لموقف الحساب، كما قال جل ذكره: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]. وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١].
والآية تشبه قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]. وقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٦].
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
قال قتادة: (نَعَمْ والله سخر لكم ما في الأرض). أي: لتتقوا به على طاعته، لا لتصرفوه في وجوه معصيته. وخَلقَ: أي اخترع وأوجد بعد العدم. و (ما) بمعنى الذي. و (لكم) للانتفاع.
قال ابن العربي: (وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرًا ولا إباحة ولا وقفًا، وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته).
وقال أبو عثمان: (وَهَب لك الكلَّ وسخّره لك لتستدل به على سَعة جُوده، وتَسْكُن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد، ولا تستكثر كثير بِرّه على قليل عملك، فقد ابتدأك بعظيم النّعم قبل العمل وهو التوحيد).
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.
أما الاستواء فذكر فيه المعاني التالية:
الأول: الإقبال. قال بعضهم: (معنى استوى إلى السماء، أقبل عليها).