الثاني: عَمدَ لها. قيل: (كل تارك عملًا كان فيه إلى آخر، فهو مُستوٍ لما عَمَدَ له، ومستوٍ إليه).
الثالث: العلو. قال القرطبي: (والاستواء في اللغة: الارتفاع والعلو على الشيء، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾). قال ابن عباس: (ثم استوى إلى السماء: صَعِد).
وممن قال ذلك أيضًا من الأوائل -أهل التفسير- الربيع بن أنس: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، يقول: ارتفع إلى السماء).
واختاره ابن جرير وقال: (وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾، علا عليهن وارتفع، فدبّرهنّ بقدرته، وخلقهنّ سبع سماوات): قلت: ولا شك أن اختيار ابن جرير لمعنى الاستواء بالعلو والارتفاع هو الذي ينسجم مع بقية آيات الاستواء في القرآن.
وقد رُوي عن الإمام مالك رحمه الله أن رجلًا سأله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾! قال مالك: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سَوْء! أخرجوه).
فائدة: قال القرطبي رحمه الله: (يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء، وكذلك في "حم السجدة". وقال في النازعات ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ فوصف خلقها، ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وهذا قول قتادة: إن السماء خلقت أولًا، حكاه عنه الطبري. وقال مجاهد وغيره من المفسرين: إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه، فجعله أرضًا وثار منه دخان فارتفع، فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء، ثم قصد أمر إلى السماء فسوّاهن سبع سماوات، ثم دحا (١) الأرض بعد ذلك، وكانت إذ خلفها غير مَدْحُوّة. قلت: وقول قتادة يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى، وهو أن الله تعالى خلق أولًا دخان السماء ثم خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسوّاها، ثم دحا الأرض بعد ذلك).