الثالث: عن الحسن وقتادة قالا: (﴿فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أني لم أخلقْ خَلقًا إلا كنتم أعلمَ منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين).
قال ابن جرير: (وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، تأويل ابن عباس ومن قال بقوله. ومعنى ذلك: فقال أنبئوني بأسماء من عرضتُه عليكم أيتها الملائكة -القائلون: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، من غيرنا أم منا، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عَصاني ذريته وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس. فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتُهم عليكم من خلقي، وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينوهم، وعَلِمه غيركم بتعليمي إياه، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بعدُ، وبما هو مستتر من الأمور -التي هي موجودة- عن أعينكم، أحرى أن تكونوا غير عالمين).
والخلاصة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ شرط، والجواب محذوف لتقدّم ما قبله عليه: "أنبئوني".
وقوله تعالى: ﴿قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
هذا أدب رفيع من الملائكة الكرام، فيه مسارعة بالأوبة إلى الله العليم العلَّام، وتبرؤ من ادعاء العلم والمعرفة أو الخوض في متاهات الرأي والكلام.
قال ابن عباس: (﴿قَالوا سُبْحَانَكَ﴾ (١) تنزيهًا لله من أن يكون أحدٌ يعلم الغيب غيرُه، تُبنا إليك ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ تبرِّيًا منهم من علم الغيب، ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ كما علمت آدم).
قال ابن جرير: (فلم يكن لهم مَفزَعٌ إلا الإقرار بالعجز، والتبري إليه أن يعلموا إلا ما علّمهم بقولهم: ﴿قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. فكان في ذلك أوضحُ الدلالة وأبينُ الحجة، على كذب مقالة كل من ادعى شيئًا من علوم الغيب من الحُزاة (٢) والكهنة والعافَةِ والمنجِّمة).
وفي صحيح مسلم عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل صاحب بُهَيَّة (٣) قال: [كنت
(٢) جمع حازٍ، وهو كالكاهن يحزر الأشياء ويقدرها بظنه.
(٣) مولاة أبي بكر رضي الله عنه، تروي عن عائشة، وروى عنها أبو عقيل المذكور.