جالسًا عند القاسم بن عبيد الله ويحيى بن سعيد، فقال يحيى للقاسم: يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيمٌ أن يُسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عنك منه عِلمٌ ولا فرَج، أو عِلْمٌ ولا مَخرَج؟ فقال له القاسم: وعمَّ ذاك؟ قال: لأنك ابْنُ إمامَيْ هُدًى: ابنُ أبي بكر وعمر (١). قال يقول له القاسم: أقْبَحُ من ذاك عد مَن عَقَل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة. فسكت فما أجابه] (٢).
وقال مالك بن أنس: سمعت ابن هُرْمُز يقول: (ينبغي للعالم أن يُوَرِّث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلًا في أيديهم، فإذا سُئِل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري) (٣). وذكر الهيثم بن جميل قال: (شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري).
وجاء في الأثر أيضًا عن مالك أن رجلًا سأله عن مسألة وذكر أن قومه أرسلوه يسأله عنها من مسيرة ستة أشهر، فقال له الإمام مالك: (فأخبر الذي أرسلك أني لا علم لي بها). قال الرجل: ومن يعلمها؟ قال مالك: (من علّمه الله، قالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾).
وكان ابن عجلان يقول: (إذا أخطأ العالم قول "لا أدري" أصيبت مقاتله).
قلت: والبعد والخشية من الفتوى صفة لازمة للعلماء الأوائل من الصحابة والتابعين ومن سار على منهجهم، متأثرين بنحو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤].
وفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن علي، عن النبي - ﷺ - قال: [من حدَّثَ عني حديثًا وهو يُرَى أنه كَذِبٌ فهو أحدُ الكاذبين] (٤).
وفيه بإسناد حسن عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول على هذا المنبر:

(١) القاسم هذا، هو ابن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأم القاسم هي أم عبد الله بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. فأبو بكر جده الأعلى لأمه، وعمر جدّه الأعلى لأبيه، وابن عمر جده الحقيقي لأبيه. رضي الله عنهم أجمعين. انظر شرح النووي على صحيح مسلم وتفسير القرطبي.
(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٣٣)، طبعة دار السلام- الرياض.
(٣) ذكره القرطبي ج (١) ص (٢٨٦)، وكذلك الأثر الذي بعده.
(٤) حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (٣٦)، ورواه مسلم أيضًا.


الصفحة التالية
Icon