إن طالِبَ العلم تَحُفُّه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضُهم بعضًا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يَطلُبُ] (١).
قلت: وأما إن كان من العلماء فتشريفه عند الملائكة أكبر من تشريف طلاب العلم، فهم يستغفرون له، ويحفون مجلسه بالسكينة والرحمة، ويُصلون عليه وعلى أمثاله من معلمي الناس الخير، ويُشاركهم في ذلك أهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحيتان في البحر.
ففي حديث الترمذي من طريق أبي الدرداء: [وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحِيتانُ في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل الفمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما وَرَّثوا العلمَ، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ] (٢).
وفي جامع الترمذي أيضًا عن أبي أُمامة الباهلي قال: [ذُكِرَ لرسول الله - ﷺ - رجلان: أحدُهما عابِدٌ، والآخر عالمٌ، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: فَضْلُ العالم على العابد، كفضلي على أدناكم. ثم قال رسول الله - ﷺ -: إن الله وملائكته وأهلَ السماوات والأرض حتى النملةَ في جُحرها، وحتى الحوتَ، ليصَلُّون على معلمي الناسِ الخيرَ] (٣).
ورواه البزار من حديث عائشة مختصرًا قال: [مُعلم الخير يستغفر له كلُّ شيء، حتى الحيتانُ في البحر].
قال القرطبي رحمه الله: (وفي الحديث "وإن الملائكَة لتضع أجنحتها رِضًا لطالب العلم" أي تخضع وتتواضع، وإنما تفعل ذلك لأهل العلم خاصة من بين سائر عيال الله، لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام فتأدّبت بذلك الأدب. فكلما ظهر لها عِلْمٌ في بشر خضعت له وتواضعت وتذلَّلت إعظامًا للعلم وأهله، ورضىً منهم بالطلب

(١) حديث حسن. أخرجه أحمد والطبراني. انظر صحيح الترغيب (١/ ٦٩).
(٢) حديث حسن. انظر صحيح الترغيب (١/ ٦٨)، وصحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢١٥٩)، وصحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٣٠٩٦).
(٣) حديث حسن صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (٢١٦١)، وكذلك (٢١٥٩) من حديث أبي الدرداء، وانظر له ولرواية البزار بعده صحيح الترغيب (١/ ٧٨)، (١/ ٧٩).


الصفحة التالية
Icon