ولا شك أن آيات الله تشمل كلَّ حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته، وما جاءت به الرسل من الأعلام والشواهد على ذلك، وعلى صدقها فيما أخبرت عن ربها. وقد بسطنا القول في معنى الكفر فيما مضى، وأن أصله التغطية على الشيء.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ من الصحبة، وهي الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمان ما. قال القرطبي: (فإن كانت الملازمة والخُلطة فهي كمال الصحبة، وهكذا هي صحبة أهل النار لها).
وقال النسفي: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي أهلها ومستحقوها).
ولا شك أن المراد بقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أنهم أهل النار الذين لا يموتون فيها ولا يخرجون، ولا محيد لهم عنها ولا محيص.
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أقوام أصابتهم النار بخطاياهم، أو بذنوبهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحمًا أُذِنَ في الشفاعة] (١).
٤٠ - ٤١. قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾.
في هذه الآيات: يوجه الله جل ثناؤه الخطاب إلى بني إسرائيل ويأمرهم بالدخول في الإسلام، ومتابعة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ويدعوهم إلى ذلك بنسبهم إلى إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، فيذكرهم بذلك بعراقة نسب النبوة في تاريخهم، ويحذرهم مغبة مواجهة الوحي بالكفر والاستهزاء والعناد.
وإسرائيل يعني عبد الله وصفوته من خلقه، فإن "إسرا" هو العبد، و"إيل" هو الله. قال ابن عباس: (إسرائيل كقولك: عبد الله). وقال عبد الله بن الحارث: ("إيل" الله بالعبرانية). وقال أبو جعفر: (كما قيل: "جبريل" بمعنى عبد الله).

(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٥)، وكذلك مسند أحمد (٣/ ١١).


الصفحة التالية
Icon