إن كان له عمل صالح أُخذ منه، وأُعطي صاحبه، وإن لم يكن له عمل صالح، أُخِذَ من سيئات صاحبه فحملت عليه] (١).
وقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾.
الشفاعة في كلام العرب مصدر من شَفَعَ، والشَّفْعُ ضدُّ الوَتْر. و"استَشْفَعَهُ" إلى فلان سأله أن يشفع له إليه. قال أبو جعفر: (وإنما قيل للشفيع "شفيعٌ وشافع"، لأنه ثنَّى المستشفِعَ به فصار به شَفعًا، فكان ذو الحاجة - قبل استشفاعه به في حاجته - فَردًا، فصار صاحبُه له فيها شافعًا، وطلبُه فيه وفي حاجته شفاعة).
فالشفاعة طلب من المستشفِع في قضاء حاجته، وقد كذّب الله سبحانه بهذه الآية يهود الذين كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه وسيشفع لنا عنده آباؤنا، فأخبرهم سبحانه بأن نفسًا يومئذ لا تجزي عن نفس، ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها، حتى يستوفى لكل ذي حق منها حقه.
وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لَتُؤَدَّنَ الحقوقُ إلى أهلها يومَ القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحاء من الشاةِ القَرْناء] (٢).
قال ابن جرير: (فآيسهم جل ثناؤه مما كانوا أطمعوا فيه أنفسهم، من النجاة من عذاب الله - مع تكذيبهم بما عرفوا من الحق، وخلافِهم أمر الله في اتباع محمد - ﷺ - وما جاءهم به من عنده - بشفاعة آبائهم وغيرهم من الناس كلهم، وأخبرهم أنه غيرُ نافعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم، والإنابة من ضلالهم. وجعل ما سَنَّ فيهم من ذلك إمامًا لكل من كان على مِثل منهاجِهم، لئلا يطمعَ ذو إلحاد في رحمته).
قلت: والآية خاصة بمن كفر بالله وخرج من الدنيا على ذلك وهو يظن أن تناله شفاعة يوم القيامة، وأما المؤمنون فقد تظاهرت الآيات والأحاديث النبوية الصحيحة على بلوغ الشفاعة إليهم فهم نائلوها بأحد أشكالها إن شاء الله تعالى.
ففي مسند أحمد وجامع الترمذي بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي، عن النبي - ﷺ - قال: [أتاني آتٍ من عند ربي، فخيرني بين أن يدخلَ نصفَ أمتي الجنة، وبين
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٥٨٢) - كتاب البر والصلة. باب تحريم الظلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.