ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه ولا أحد عن أحد، كل من استقبله ضربه بالسيف وضربه الآخر بمثله، حتى عجَّ موسى إلى الله صارخًا: يا ربّاه، قد فنيت بنو إسرائيل! فرحمهم الله وجاد عليهم بفضله، فقبل توبةَ من بقي وجعل من قُتل في الشهداء).
ثم قال: (إن قيل: لم خصّ الليالي بالذكر دون الأيام؟ قيل له: لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخ، فالليالي أول الشهور والأيام تبع لها).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
قال أبو العالية: (يعني: من بعد ما اتخذتم العجل).
وقال ابن جرير: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فإنه يعني به: لتشكروا. ومعنى "لعل" في هذا الموضع معنى "كي". قال: فمعنى الكلام إذن: ثم عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل إلهًا، لتشكروني على عفوي عنكم، إذ كان العفو يوجب الشكر على أهل اللبّ والعقل).
روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند بسند حسن عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفُرقة عذاب] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
المراد بالكتاب: التوراة. وبالفرقان: الفصل بين الحق والباطل. والمعنى: (واذكروا أيضًا يا بني إسرائيل إذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل). وتفصيل ذلك من أقوال أهل التفسير:
١ - عن أبي العالية: (﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾، قال: فَرَق به بين الحق والباطل).

(١) حديث حسن. انظر مسند أحمد (٥/ ٢١١ - ٢١٢)، وسنن أبي داود (٢/ ٢٩٠)، وصحيح ابن حبان (٢٠٧٠)، و"الأدب المفرد" - للبخاري (٣٣)، ومسند الطيالسي (ص ٣٢٦) رقم (٢٤٩١)، ومسند أحمد (٢/ ٢٩٥)، (٢/ ٣٠٢)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٤١٧).


الصفحة التالية
Icon