﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فأنزل الله تعالى بعد هذا ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
قلت: ولا تعارض بين القولين، فإن من مات على التوحيد من أهل الكتاب وكان على شريعة عيسى أو موسى عليهما السلام ولم يسمع بِمحمد - ﷺ - فإنه يدخل في مفهوم الآية الأولى - آية البقرة - ومن أدرك النبي - ﷺ - فلا ينجيه إلا الإيمان به والتزام شريعته فيكون داخلًا في الآية الثانية - آية آل عمران -.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به، إلا كان من أصحاب النار] (١).
وكذلك روى مسلم من حديث أبي موسى أن رسول الله - ﷺ - قال: [ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وأدرك النبي - ﷺ - فآمن به واتَّبعَهُ وصَدَّقه فله أجران.. ] الحديث (٢).
٦٣ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.
في هذه الآيات: يُذَكِّرُ سبحانه وتعالى بني إسرائيل بالعهود والمواثيق التي أخذها عليهم من الإيمان به وحده واتباع رسله، وقد رفع الجبل فوق رؤوسهم ليقروا بالعهد والميثاق ويأخذوه بقوة وعزيمة، كما قال جل ثناؤه في آية الأعراف: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾. ثم إنهم أعرضوا بعد البرهان وأخذ الميثاق، ولولا رحمته تعالى وتفضله عليهم بالتوبة لهلكوا، والخطاب لأحفادهم ليسمعوا ويعتبروا.
والطور هو الجبل في كلام العرب، وقيل هو جبل بعينه، وهو الذي ناجى الله عليه
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٥٤) - كتاب الإيمان، ورواه في كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها، عقب الحديث (١٣٦٥).