التأويل الثاني: كادوا أن لا يفعلوا خوف الفضيحة بكشف القاتل. ذكره ابن جرير دون سند واختاره مع الذي قبله.
التأويل الثالث: بل أرادوا التعنت والتنطع ومخالفة الأمر.
قال الضحاك، عن ابن عباس: (كادوا أن لا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها).
واختاره الحافظ ابن كثير وقال: (يعني أنهم مع هذا البيان، وهذه الأسئلة، والأجوبة، والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذمّ لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت، فلهذا ما كادوا يذبحونها).
قلت: والذي ذهب إليه ابن كثير رحمه الله يتناسب مع حال بني إسرائيل وسلوكهم مع أنبيائهم، فإنهم كانوا يحبون الجدل والفلسفة للهروب من الأمر والتكليف. قال القرطبي: (وهذا إخبار عن تثبيطهم في ذبحها وقلة مبادرتهم إلى أمر الله).
فائدة: في الآية دليل على جواز السَّلَم في الحيوان إذا حصرت صفاته وضبطت، وهو مذهب مالك والشافعي والأوزاعي. فإن الوصف الدقيق يقوم مقام التعيين. وفي الحديث: [لا تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظر إليها]. وفي لفظ: [لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها] (١). فجعل النبي - ﷺ - الصفة تقوم مقام الرؤية. في حين ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز السَّلَم في الحيوان لأنه لا تنضبط أحواله، والرأي الأول أرجح ويدعمه الدليل.
٧٢ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾.
في هذه الآيات: هذا الكلام مقدّم على أول القصة، وبسبب هذا القتل أمرهم الله بذبح البقرة.

(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٥٢٤٠)، وأخرجه مسلم برقم (٣٣٨)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٤٠)، وغيرهم.


الصفحة التالية
Icon