قال قتادة: (﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، يقول: من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى، وبعد ما أراهم من أمر القتيل - ما أراهم، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾).
وقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾.
أي: لا تلين أبدًا، ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ من الحجارة، وذلك بالعطف على معنى الكاف. أو على معنى تكرير ﴿هِيَ﴾ عليه، والتقدير: فهي كالحجارة، أو هي أشد قسوة من الحجارة -ذكره ابن جرير-.
قال ابن كثير: (ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾).
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن قلوبَ بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحد، يصرِّفه حيث شاء] (١).
وفي المسند أيضًا عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: [دعوات كان رسول الله - ﷺ - يُكْثِرُ أن يدعوَ بها: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قالت: فقلت: يا رسول الله! إنك تكثر تدعو بهذا الدعاء. فقال: إن قلب الآدمي بين أصبعين من أصابع الله عز وجل فإذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه] (٢).
وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
قال القاسمي: (بيان لأشدية قلوبهم من الحجارة في القساوة وعدم التأثر بالعظات والقوارع التي تميع منها الجبال وتلين بها الصخور، يعني أن الحجارة ربما تتأثر حيث يكون منها ما يتفجر منه المياه العظيمة ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ أي: يتشقق ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ أي العيون التي هي دون الأنهار ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: يتردّى من رأس الجبل من خشية الله، انقيادًا لما سخره له من الميل إلى المركز بالسلاسة، قاله القاشاني).
وذكر ابن جرير بسنده عن مجاهد قال: (كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقّق عن
(٢) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٢/ ١٦٨)، (٢/ ١٧٣)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٨٩).