وقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾.
أي: أعطيناه الحجج وما أظهر الله على يديه مما يدلى على نبوته: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، وغير ذلك.
قال ابن عباس: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات التي وضع على يديه: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا بإذن الله، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب ممّا يدّخرون في بيوتهم، وما ردَّ عليهم من التوراة، مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه).
وقوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
أي: قوّيناه، وأعنّاه بجبريل عليه السلام.
قال الضحاك: (﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ يقول: نصرناه). ومنه قولهم رجل ذو أيْد: أي ذو قوة. ولقد اختلف في روح القدس على أقوال:
١ - القول الأولى: جبريل عليه السلام. قال قتادة: (هو جبريل). وقال الضحاك: (روح القدس: جبريل). وقال الربيع: (أيد عيسى بجبريل، وهو روح القدس).
٢ - القول الثاني: الإنجيل.
قال ابن زيد: (أيد الله عيسى بالإنجيل رُوحًا، كما جعل القرآن روحًا، كلاهما روح الله، كما قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾.
٣ - القول الثالث: هو الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى.
قال ابن عباس: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: هو الاسم الذي كان يحيي عيسى به الموتى).
ولا شك أن القول الأولى هو أصح هذه الأقوال. فروح القدس هنا هو جبريل عليه السلام. ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ... (١١٠)﴾ فلو كان الروح الذى أيَّده به هو الإنجيل لكان ما بعده تكرير قول لا معنى له كما ذكر ابن جرير.
وقد سمى الله جبريل روحًا لأنه كان بتكوين الله له روحًا من عنده من غير ولادة والد