وقال السدي فيها: (الرُّوم، كانوا ظاهروا بختنصَّر على خراب بيت المقدس حتى خرّبه، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه، من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا).
التأويل الثالث: قيل بل المقصود مشركو قريش إذ منعوا رسول الله - ﷺ - من المسجد الحرام.
قال ابن زيد فيها: (هؤلاء المشركون، حيث حالوا بين رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة، حتى نحر هديه بذي طُوىً وهادنهم، وقال لهم: ما كان أحد يُرَدُّ عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فما يصدُّه! وقالوا: لا يدخل علينا مَنْ قَتَلَ آباءنا يوم بدر وفينا باقٍ! ). وهو اختيار ابن كثير. واستبعد ابن جرير هذا القول، واحتج بأن قريشًا لم تسعَ في خراب الكعبة، ورجح القول الأوّل.
قلت: والآية عامة، والأولى أن تبقى كذلك عامة في حق كل من منع مساجدَ الله أن يعظَّم فيها ويذكَر فيها وتُعَلَّم فيها علوم كتابه وهدي نبيّه - ﷺ -، وكذلك اختار القرطبي رحمه الله، أن المراد مَنْ منع مِن كل مسجد إلى يوم القيامة، لأنَّ اللفظ عام ورد بصيغة الجمع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف، والله تعالى أعلم. ثمَّ قال: (خراب المساجد قد يكون حقيقيًّا كتخريب بُخْتَ نَصَّر والنصارى بيت المقدس على ما ذُكر أنهم غَزَوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم - قيل: اسمه نطوس بن اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنَوِيّ - فقتلوا وسَبَوْا، وحرقوا التوراة، وقذفوا في بيت المقدس العَذِرة وخربوه. ويكون مجازًا كمنع المشركين المسلمين حين صدّوا رسول الله - ﷺ - عن المسجد الحرام، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإِسلام فيها خراب لها).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾.
خبرٌ من الله سبحانه بأن عقوبة أولئك المخربين لبيوته المانعين فيها ذكره أن حرّم عليهم دخول المساجد التي سعوا في تخريبها، إلا على خوف ووجل من العقوبة أن تنزل بهم.
فعن قتادة: (﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾، وهم النصارى، فلا يدخلون المسجد إلا مُسارقةً، إنْ قُدِر عليهم عوقبوا). قال السدي: (فليس في الأرض روميٌّ