قال: (أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدلس على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك، ولذلك قيل: يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بدّ للأحمق منه بعد ثلاث).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
المصيبة: النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت، وتستعمل في الشر. والخطاب للمؤمنين، فهذه صفتهم إذا نزل بهم مكروه تَسَلّوا بقولهم هذا عمّا أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف بهم كيف يشاء، ويقلبهم في أحوال شتى من الاختبار كما يريد.
وقد جاءت السنة الصحيحة بجزيل الثواب لمن استرجع عند المصيبة، وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، والبيهقي في سننه، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم اؤْجُرْنِي في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا منها. قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير عن أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله - ﷺ -؟ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله - ﷺ -. قالت: أرسل إلي رسول الله - ﷺ - حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيور، فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغَيْرَةِ] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أم سلمة قالت: [أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله - ﷺ - فقال: لقد سمعتُ من رسول الله - ﷺ - قولًا سُرِرْتُ به. قال: "لا يصيب أحدًا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم اؤجُرْني في مصيبتي، وأخْلفْ لي خيرًا منها، إلا فُعِلَ ذلك به". قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم اؤجُرْني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدّتي استأذن عليّ رسول الله - ﷺ - وأنا أدبغُ إهابًا لي، فغسلت يدي من القرَظ، وأَذِنْتُ له، فوضعت له وسادة أدَم حشْوها ليفٌ، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ