قال مجاهد: (﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: من الخبر الذي أخبركم عنه).
والمقصود: إن السعي بين الصفا والمروة من مشاعر الحج التي أمر الله بها عباده المؤمنين. وقد جاء تفصيل ذلك في أحاديث من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: يروي البخاري في صحيحه عن عاصم بن سُليمان قال: سألت أَنَسَ بنَ مالكٍ رضي الله عنه عن الصفا والمروة، فقال: [كنا نَرى أنهما من أمر الجاهلية فلما كان الإسلامُ أمْسَكْنا عنهما، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن الزُّهري: قال عُروة: سَألت عائشة رضيَ الله عنها فقلت لها: أرأيتِ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فوالله ما على أحد جُناح أن لا يطوفَ بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلتَ يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أوَّلْتَها عليه كانت لا جُناحَ عليه أن لا يتطوَّف بهما، ولكنها أُنْزِلتْ في الأنصار، كانوا قبلَ أن يُسلموا يُهِلُّون لمناةَ الطاغيَةِ التي كانوا يعبدونها بالمُشَلَّل، فكان مَنْ أهَلَّ يَتَحَرَّجُ أن يطوف بين الصفا والمروة، فلما أسْلموا سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنا كنّا نتحَرَّجُ أن نطوفَ بينَ الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قالت عائشة رضي الله عنها: وقد سَنَّ رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما فليس لأحدٍ أن يتركَ الطواف بينهما. قال: ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا العِلم ما كنت سَمِعْتُه، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يذكرون: أنَّ الناس - إلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عائشةُ - مِمَّنْ كان يُهِلُّ بمناةَ، كانوا يطوفون كلُّهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يَذْكُرِ الصفا والمَرْوة في القرآن، قالوا: يا رسول الله كنا نطوف بالصفا والمروة، وإنّ الله أنزلَ الطواف بالبيت فلما يذكر الصفا فهل علينا من حَرَج أنْ نطوفَ بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قال أبو بكر: فأسْمَعُ هذه الآية نزلت في الفريقين كِلَيْهِما، في الذين كانوا يتحرّجون أن يَطَّوَّفُوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوَّفون، ثم تَحرّجوا أن يطّوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا،