بأنه ينال من لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وفي قوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: أكثر من تأويل:
التأويل الأول: المراد أهل الإيمان بالله ورسوله دون سائر البشر.
فعن قتادة: (يعني بـ ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: المؤمنين).
التأويل الثاني: قيل بل ذلك يوم القيامة، يُوَقَّفُ على رؤوس الأشهاد الكافرُ فيلعنه الناس كلهم.
قال أبو العالية: (إن الكافر يُوقَفُ يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون).
التأويل الثالث: قيل بل هو قول كل قائل: "لعن الله الظالم" فيلحق ذلك كل كافر، لأنه من الظلمة.
قال السدي: (فإنه لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: "لعن الله الظالم"، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر؛ لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه).
واختار ابن جرير قول من قال: عنى بذلك جميع الناس، وهو قول قوي يقتضيه السياق. فالناس تلعن الظالم والظالمين. قال القرطبي: (والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ويتضرّر ويتألّم قلبه، فيكون ذلك جزاء على كفره، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥].
قلت: ولا خلاف بين العلماء في لسْ الكفار جملة من غير تعيين. وأما الكافر المعين فاختلفوا فيه. قال ابن العربي: (قال لي كثير من أشياخي إن الكافر المعَيَّن لا يجوز لعنه، لأن حاله عند الموافاة لا تُعلم، وقد شرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة: الموافاة على الكفر). وقالت طائفة أخوى: بل يجوز لعن الكافر المعيق. واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي، واحتج بحديث ضعيف: [اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر فالعنه واهجه عدد ما هجاني] (١).
قلت: والراجح أنه يجوز لعن الكافر المعين الذي يجاهر بالكفر والمعصية وإشاعة المنكر أو الباطل في الأرض. ويستدل لهذا بالحديث التالي:

(١) حديث منكر. قال البخاري: (حديث مقلوب)، رواه الروياني في مسنده وفيه متروك.


الصفحة التالية
Icon