يقول: معصية الله- يعني المباشرة في الاعتكاف). قلت: والآية أعم من ذلك، فيما يخص جميع الأحكام، من الصيام والاعتكاف وشرائِع ذلك، وحدوده وتفاصيله، كما قال الحافظ ابن كثير: (أي: هذا الذي بيّناه، وفرَضْناه، وحدَّدناه، من الصيام وأحكامه، وما أبحنا فيه وما حرمنا، وذكرنا غاياته ورُخَصه وعزائمه ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: شَرَّعها الله وبَيَّنها بنفسه، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي: لا تجاوزوها وتتعدوها).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
يعني: ليتجنّبوا الوقوع في ما يسخط الله سبحانه ويغضبه، مما أمر بهجره وتركه.
١٨٨. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾.
في هذه الآية: جعل سبحانه الآكل مال أخيه بالباطل، كالآكل مال نفسه بالباطل. فحرَّم ذلك وحذَّر من الاختصام إلى الحكام للظلم وجحد الحقوق.
قال ابن عباس: (هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بَيِّنة، فيجحدُ المال ويخاصِمُ إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكل حرامًا).
وقال مجاهد: (لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم).
وقال قتادة: (اعلم -يا ابن آدم- أن قضاء القاضي لا يحل لك حرامًا، ولا يُحِقُّ لك باطلًا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قُضيَ له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحقّ بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا).
قلت: وأصل هذا المعنى في الصحيحين عن أم سلمة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألْحنَ بِحُجَّتِهِ من بعض


الصفحة التالية
Icon