بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بَعْدَ خروجه أن يقيم ويَدَعَ سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوّرُه من قِبَلِ ظهره، فقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾... الآية). وقال عطاء بن أبي رباح: (كان أهل يثربَ إذا رجعوا من عيدهم دخلوا منازلهم من ظهورها، وَيَرَوْنَ أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾).
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي افعلوا ما أمركم به واتركوا ما نهاكم عنه، وذروا بقايا الجاهلية وسفسافها، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدًا إذا وقفتم بين يديه سبحانه، لتنالوا الخلود في جناته ونعيمه الذي تطمحون إليه.
١٩٥ - ١٩٣. قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾.
في هذه الآيات: مشروعية قتال المعتدين دون مجاوزة الحدود، والنهي عن القتال في المسجد الحرام إلا لمن قاتل فيه ابتداء، والأمر بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله.
قال الربيع: (﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: هذه أول (١) آية نزلت في القتال بالمدينة. فلما نزلت كان رسول الله - ﷺ - يقاتل من يقاتله، ويكف عمن كفّ عنه، حتى نزلت ﴿بَرَاءَةٌ﴾).
وبعضهم يقول هي منسوخة بآية التوبة: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
قلت: ولا دليل على النسخ، فأمر الله بقتال الكفار لم ينسخ، وإنما النهي هو في الاعتداء بقتل النساء والذراري ومن لم ينهض لقتال المسلمين. قال مجاهد: ﴿وَقَاتِلُوا