وقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
يعني: أن الشرك هو أخطر من القتل.
قال مجاهد: (ارتداد المؤمن إلى الوَثن أشدُّ عليه من القتل). وقال قتادة: (الشرك أشد من القتل). وقال ابن زيد: (فتنة الكفر). وقال مجاهد: (الفتنة الشرك).
وقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
الآية عامة ولا دليل على ادّعاء النسخ فيها، فمن بدأ المسلمين بالقتال في الحرم، فإنه يقاتل دفعًا له ولأمثاله، وقد بايع النبي - ﷺ - أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، حين ظهرت بوادر الغدر من قريش والأحابيش.
وهذه الآية مُخَصِّصَةٌ لعموم ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي - ﷺ - يوم افتتح مكة: [لا هجرة ولكنْ جهادٌ وَنِيّةٌ، وإذا استُنْفِرْتُم فانْفِروا، فإن هذا بلدٌ حَرَّمَ الله يومَ خلق السماوات والأرضَ، وهو حرامٌ بِحُرْمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لا يحل القتال فيه لأحدٍ قبلي ولمْ يَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهار، فهو حرامٌ بِحُرمةِ الله إلى يوم القيامة لا يُعضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُنَفَّرُ صيدُه،... ] الحديث (١).
فالقاتل في الحرم يقتل فيه، والقاتل في الحل ثم التجأ إلى الحرم يُخرج إلى الحل ليقتل فيه. فقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس قال: [من سَرَقَ أو قتَلَ في الحِلِّ ثم دخل الحرم، فإنه لا يُجالسُ ولا يُكَلَّمُ، ولا يُؤوى، ولكنه يُناشَدُ حتى يخرجَ، فيؤخَذَ، فيقامَ عليه الحدُّ، وإن سَرَقَ أو قتَلَ في الحرم أقيم عليه في الحرم] (٢).
وبنحوه روى الأثرم عن ابن عباس قال: [من أحدث حدثًا في الحرم، أُقيم عليه مما أحدث فيه من شيء] (٣).
قال ابن القيم: (هذا التحريم لسفك الدم المختص بها، وهو الذي يُباح في غيرها،
(٢) إسناده صحيح. انظر تخريج أحاديث زاد المعاد (٣/ ٤٤٧)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين، القرآن والسنة الصحيحة (٣/ ١٣١٢) لمزيد من التفصيل.
(٣) حديث صحيح. انظر المرجع السابق.