والوجاهة، ويسخرون من المؤمنين الذين يرجون ما عند الله، والمؤمنون بذلك فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم، وقد أكرمهم الله بعلو المنزلة في الآخرة فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، في حين خلد أولئك الطغاة في الدركات في أسفل سافلين.
قال ابن جريج: (﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، قال: الكفار يبتغون الدنيا ويطلبونها، ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، في طلبهم الآخرة. قال ابن جريج: لا أحسبه إلا عن عكرمة، قال: قالوا: لو كان محمد نبيًّا كما يقول، لاتبعه أشرافنا وساداتنا! والله ما اتبعه إلا أهل الحاجة مثل ابن مسعود).
وقال قتادة: (﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، قال: ﴿فَوْقَهُمْ﴾، في الجنة).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
قال ابن جرير: (والله يعطي الذين اتقوا يوم القيامة من نعمه وكراماته وجزيل عطاياه، بغير محاسبة منه لهم على ما منّ به عليهم من كرامته).
قلت: والآية عامة في رزق الدنيا والآخرة، فإن الله ينعيمِ علبم المتقين في الدارين لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى في أحاديث، منها:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنته يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١).
الحديث الثاني: أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - ﷺ - قال: [ما من يوم يصبِح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الاخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا] (٢).
وله شاهد عن ابن حبان في صحيحه بلفظ: [إن ملكًا بباب من أبواب الجنة يقول:

(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٦٠)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٥٧).
(٢) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٣/ ٨٣ - ٨٤)، وصحيح الترغيب (١/ ٩٠٥) للشاهد بعده.


الصفحة التالية
Icon