وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم] (١).
وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾.
أي: فيه شدة ومشقة عليكم، لما قد يعقبه من جراح ودماء وآلام، مع عذاب السفر ومجالدة الأعداء.
وقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.
سنّة إلهية عامة، فقد يتعلق قلب العبد بما هو شر عليه في دينه أو دنياه أو كليهما. وقد يبتعد عن أمر يحتاج إلى مشقة يعقبها عز وقوة وفرج ورزق كبير. وكذلك القتال، ففيه ألم المجالدة وملاقاة العدو، وخطر وأهوال الحديد، لكن لا سبيل إلى ما بعده من النصر والظفر إلا بتجاوز تلك الشدائد -والكل بتوفيق الله وعونه-، وكذلك القعود: فقد يعقبه الذل والهزيمة واستيلاء العدو على البلاد والممتلكات والحُكم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. أي: بحكمة كثير من التشريع، وعواقب الأمور، فاستجيبوا له فإن في طاعته سبحانه عز الدنيا وسعادة الآخرة.
٢١٧ - ٢١٨. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾.
في هذه الآيات: إخبار عن حرمة الأشهر الحرم والمسجد الحرام عند الله، وتحذير من الردة بعد الإسلام، وترغيب في الإيمان والهجرة والجهاد لنصر دين الرحمان.
سبب نزول هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ.... ﴾: أن

(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٣٤٦٢). وانظر صحيح الجامع (٤١٦).


الصفحة التالية
Icon