رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان قد بعث في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة عبد الله بن جحش في ثمانية من المهاجرين، ليهدد طريق تجارة قريش مع اليمن كما هدّده مع الشام، وكتب له كتابًا وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين، وقد جاء فيه كما يروي البيهقي في السنن وابن هشام في السيرة بسند صحيح إلى عروة: (امض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصَّد بها قريشًا، وتعلَّمْ لنا من أخبارهم) (١). فقال عبد الله: سمعًا وطاعة، وأطلع أصحابه على كتاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- قائلًا:

إنه نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق معي، ومن كره ذلك فَليَرْجِع فلم يتخلف منهم أحد، غير أن البعير الذي كان يعتقبه سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، ندَّ منهما فشغلا بطلبه.
قال ابن إسحاق فيما يرويه عن عروة: (ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عيرٌ لقريش تحمل زبيبًا وأدَمًا -الأدم: الجلد-، وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي. فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن مِحْصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عُمَّار، لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلةَ ليدخُلنّ الحرم، فليمتَنعُنّ منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنَّهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخْذِ ما معهم. فرمى واقدُ بن عبد الله التَّميمي عمرو بنَ الحضرمي بسهم فقتله، واستَأسر عثمانَ بن عبد الله، والحكمَ بن كيسان، وأفلتَ القومَ نوفلُ بنُ عبد الله فأعجزهم. وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة (٢).
وقال عبد الله لأصحابه: (إن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما غنمنا الخمس). وذلك قبل أن يفرض الخمس. قال ابن القيم: (وهو أول خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام) (٣).
(١) حديث صحيح. أخرجه البيهقي (٩/ ١١ - ١٢)، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) انظر المرجع السابق، وسيرة ابن هشام (١/ ٦٠١ - ٦٠٤)، وكتابي: السيرة النبوية (١/ ٥٢٥).
(٣) انظر: "زاد المعاد" (٣/ ١٦٨)، وانظر المرجع السابق (١/ ٥٢٦).


الصفحة التالية
Icon