قال ابن العربي: (والذي يقول إنه إذا عفا عنه المجروح عفا الله عنه لم يقم عليه دليل، فلا معنى له) (١).
وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
قال طاووس: (كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق).
والمقصود أن جحود التحاكم إلى الله وإنكاره بالكلية هو الكفر الثاني المخرج من الملة وهو الظلم والفسق الثاني الذي دونه الظلم الأول والفسق الأول.
وقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾.
أي: أتبعنا عيسى بن مريم على آثار النبيين من قبله، وبعثناه بالإنجيل مصدقًا لكتاب موسى من قبل، وفيه هدى للحق، وهو نور لكشف الشبهات والمعضلات وحل المشكلات.
وقوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾.
قال ابن جرير: (يقول: وزجرًا لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبه من الأعمال، وتنبيهًا لهم عليه).
وقوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ - أَمْرٌ لأهل الإنجيل أن يعظموا الوحي النازل إليهم من ربهم. وقوله ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ فيه قراءتان:
القراءة الأولى: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالنصب- قراءة جماعة من قراء الكوفة. والمعنى: وآتيناه الإنجيل كي يحكنمَ أَهلُهُ بِمَا فيه من حكم الله. أو: وآتيناه الإنجيل ليحكمَ أهل مِلّتِه به في زمانهم.
القراءة الثانية: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بتَسْكين اللام- قراءة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين. أي: على وجه الأمر. والتقدير: وآتيناه الإنجيل وأمرنا أهله أن يحكموا بما فيه.
وكلاهما قراءتان مشهورتان، ومن ثمّ فإن الآية تحتمل آفاق المعنيين، وهذا من إعجاز هذا الكتاب الكريم.