(والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليمتحنكم بأمره ونهيه فيما بين الموت الذي يعم الأمير والأسير والحياة التي لا تفي بعليل ولا طبيب، فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم، فيجازيكم على عملكم لا على علمه بكم).
وقدّم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب، ولأن أقوى الناس داعيًا إلى العمل من نَصَبَ موته بين عينيه، وأَكْثَر من ذكر هادِم اللذات الذي يسحبه إلى قبره مما في يديه.
وعن الفضيل بن عياض: (﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا، لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص أن يكون للَّه. والصواب: أن يكون على السنة).
وقال شيخ الإسلام: (وإذا كانت جميع الحسنات، لا بد فيها من شيئين: أن يراد بها وجه اللَّه، وأن تكون موافقة للشريعة، فهذا في الأقوال والأفعال. في الكلم الطيب، والعمل الصالح، في الأمور العلمية، والأمور العملية العبادية).
أخرج الطبراني في "الكبير" بسند حسن عن عباد بن تميم عن عمه مرفوعًا: [يا نعايا العرب! يا نعايا العرب! يا نعايا العرب! إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية] (١).
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾. أي: وهو الغالب الذي لا يعجزه من عصاه، الستور لمن تاب واستعتب والتمس رضاه.
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾. قال ابن جرير: (طبقًا فوق طبق، بعضها فوق بعض). قال القرطبي: (و ﴿طِبَاقًا﴾ نعت لـ ﴿سَبْعَ﴾ فهو وصف بالمصدر).
وقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾. قال قتادة: (ما ترى فيهم من اختلاف).
وقال ابن كثير: (﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾، أي: بل هو مُصْطَحِبٌ مُسْتَوٍ، ليس فيه اختلافٌ ولا تنافرٌ ولا مخالفة، ولا نقصٌ ولا عيبٌ ولا خَلَلَ).
وقوله: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾. قال ابن عباس: (أي: شقوق). وفي

(١) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح. انظر "المجمع" (٦/ ٦٥٥). ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ١٢٢). والبيهقي في "الزهد" (٢/ ٣٧/ ٢). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٥٠٨).


الصفحة التالية
Icon