فأخذ يَلْثِمُها (١)، فوضعت كفها على وجهها، فقبَّله، ثم ندم، فأدبر راجعاً، فقالت: سبحان الله! خُنْتَ أمانتك [وعصيتَ ربك، ولم تصبْ حاجتك. قال] (٢) : فخرج يسيح في الجبال، تائباً من ذنبه، هائماً على وجهه، يحثو التراب على رأسه. فلما رجع الثقفي لم يستقبله أخوه الأنصاري، فسأل زوجته عنه، فقالت: لا كثَّر الله في الإخوان مثله، وأخبرته خبره، فخرج في طلبه، فوافقه ساجداً يقول: ذنبي ذنبي، فقال: يا فلان! انطلق إلى رسول الله - ﷺ -، فسله عن ذنبك لعل الله يجعل لك منه مخرجاً، فرجع إلى المدينة، فأتيا أبا بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجاً، فقال الأنصاري: قد هلكتُ، قال: وما أهلكك؟ فذكر له القصة، فقال: أما علمتَ أن الله يغار للغازي ما لا يغار للمقيم، ثم لقيا عمر، فقال مثل ذلك، فأتيا النبي - ﷺ - فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله عز وجل: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة... الآية﴾ (٣).
ويروى عن ابن مسعود قال: قال المؤمنون: يا رسول الله؛ كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منّا، كان أحدهم إذا أذنب ذنباً أصبح كفَّارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه، اجدع أنفك، أو أذنك، افعل كذا، فسكت رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله هذه الآية، فقال رسول الله - ﷺ -: "ألا أخبركم بخير من ذلكم" وقرأ عليهم هذه الآيات (٤).

(١) يلثمها: يقبّلها (اللسان، مادة: لثم).
(٢)... زيادة من أسباب النزول (ص: ١٢٧)، وزاد المسير (١/٤٦٢).
(٣)... ذكره الواحدي في أسباب النزول (ص: ١٢٧)، والثعلبي (٣/١٦٨)، ونسبه لمقاتل والكلبي، وابن الجوزي في زاد المسير (١/٤٦٢).
(٤) أخرجه الطبري (٤/٩٥-٩٦) عن عطاء، عن النبي - ﷺ - مرسلاً. وذكره السيوطي في الدر
... المنثور (٢/٣٢٦) وعزاه لابن المنذر عن ابن مسعود كلفظ المصنف.


الصفحة التالية
Icon