فإن قيل: نَفْيُ العلم عن المؤمنين بالعداوة في حق الجن والمنافقين ظاهر، فما وجه نفيه عنهم بالنسبة إلى اليهود وأهل فارس؟
قلت: أما اليهود فإنهم كانوا يخادعون المؤمنين ويظهرون لهم المواددة ويعاهدونهم، وكان همّ المسلمين منحصراً في مكافحة العرب ومحاربتهم ومناهدتهم.
وأما فارس فإنهم وإن كانوا أعداء لهم، غير أن بُعْد المسافة والاشتغال بالعدو المجاور، أغفل المؤمنين عن أن يتهيؤوا لهم، فأمر الله المؤمنين بالاستعداد لأعدائهم؛ إرهاباً لهم، ولمن في علمه سبحانه وتعالى أنهم بعَرَضِية أن يقاتلوا المؤمنين ويظهروا لهم المعاداة (١).
ولما كانت النفوس في مظنة الشحّ حباً لاقتناء الأموال، وَعَدَهُمُ الله الخلف في العاجل والثواب في الآجل، فقال: ﴿وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون﴾.

(١)... قال الطبري (١٠/٣٢) : قول من قال: عنى به الجن أقرب وأشبه بالصواب؛ لأنه جل ثناؤه قد أدخل بقوله: ﴿ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ الأمر بارتباط الخيل لإرهاب كل عدو لله وللمؤمنين يعلمونهم. ولا شك أن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس لهم؛ لعلمهم بأنهم مشركون وأنهم لهم حرب، ولا معنى لأن يقال وهم يعلمونهم لهم أعداء ﴿وآخرين من دونهم لا تعلمونهم﴾، ولكن معنى ذلك: إن شاء الله ترهبون بارتباطكم أيها المؤمنون الخيل عدو الله وأعداءكم من بني آدم الذين قد علمتم عداوتهم لكم لكفرهم بالله ورسوله، وترهبون بذلك جنساً آخر من غير بني آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم، الله يعلمهم دونكم؛ لأن بني آدم لا يرونهم.
(١/٤٦١)


الصفحة التالية
Icon